
هذه المحلات، تسمّى "مراكز تسلية" المدوّنة على لافتات نيونيّة باللغة الأجنبية. وهي منتشرة بكثرة في مناطق كبدارو والدكوانة وأنطلياس وجونية، لتسلية أشخاص من الأعمار كافة يرتادونها ليتسمّروا أمام شاشات للمقامرة الآلية والفردية بأوراق اللعب (الشدّة) المرسومة على هذه الشاشات.
دوام عمل هذه المحال ثمانية عشر ساعة يومياُ، تنقسم إلى مناوبتين، الأولى من الساعة الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساء، الأخرى تمتد الى الثانية بعد منتصف الليل. في الصباح تستيقظ هذه المحال على عجل، تبدأ عملية تنظيف أثار البارحة من دخان السجائر والمشروبات المسكوبة على الأرض. في الليل تشع أحرف راياتها الكبيرة بشتى الألوان التي ترمز إلى بهجة الربيع والفرح الموعود. إنها محلات التسلية، "بنات كازينو لبنان القاصرات". أمكنة مصغرة عما تراه في الكازينو المذكور، وعلى عكس هذا الأخير، ليس مفروضاً عليك أن تكون فاحش الثراء أو تأتي مرتدياً بذلة أنيقة وربطة عنق. فهذه المحلات عفوية أكثر، تستقبلك كيفما جئتها، لتستقطب شريحة مرفوضة في كازينو لبنان. روادها ليسوا فقط من الجنسية اللبنانية، بل هي ترحب بكل التابعيات الموجودة على الأراضي اللبنانية، وبطبقات المجتمع المتوسطة الدخل بشكل عام والطبقات الفقيرة بشكل خاص. هذه الشريحة الكبيرة التي تعيش في الحد الأدنى من ضرورات الحياة اليومية تلجأ إلى أي فرصة تقودها إلى أحلام الثراء السريع، أينما وجدت. فالحلم واحة المحتاج. ما لا يصدقه بعضهم، أن الحلم قد يتحول إلى كابوس يصنعونه مرات من دون وعي، ومرات كثيرة لأنهم لا يصدقون ما جنته أيديهم.
تنتشر محال التسلية هذه على الأراضي اللبنانية كافة، وبكثافة في بيروت الكبرى وضواحيها، وإن كانت المنطقة "الشرقية" تستحوذ على العدد الأكبر منها. هي شرعية، وتحتاج الى ترخيص لمزاولة العمل وخاضعة لقوانين وإجراءات الدولة اللبنانية. تخضع لعمليات تدقيق وتفتيش من قبل موظفين معتمدين لدى الدولة. مهمة المفتش تقضي بالسهر على أمن المواطن بالدرجة الأولى أي عدم السماح لأصحاب هذه المحلات برفع تعرفة الـ"فيشة" عن الحد الأدنى المسموح به رسمياً وهو ثلاثمئة ليرة، وذلك منعاً لخسارة اللاعب أمواله بسرعة وبغية إفساح المجال له بالتسلية لأطول فترة ممكنة. تعرفة الـ"فيشة" في كثير من المحال تتراوح بين الحد الأدنى المذكور وتصل الى ألف ليرة. ومن مهام المفتش، وأيضاً من أجل مصلحة اللاعب، البحث إذا كان أصحاب المحلات يحثّون الرواد على لعب مضاعف عبر ترغيبهم بجوائز خارج ما يربحونه عادة من لعبهم على شاشات الماكينات الموزعة في كل محال تسلية من هذا النوع. وعدد الماكينات في المكان الواحد يتراوح بين 20 و50 شاشة.
عندما يحصل أحدهم على سلسلة معينة من أوراق اللعب وبحسب ترتيب محدد وألوان معينة، يربح و..يفرح. لكن هذا نادراً ما يحصل، وإن حصل ، فالفرحة لا تدوم طويلاً. آلية الربح تتضمن جائزة مالية تسمى "خارجية". مثلاً مجموعة خمسة أوراق مرتبة على الشكل الآتي: دام + دام + آس + دام + دام، تربح جائزة قدرها خمسين ألف ليرة لبنانية. في بعض المحال، يعمد مسؤول الصالة إلى إذاعة مبلغ الجائزة مصحوباً باسم اللاعب على مكبّر للصوت، صوت يسري في عروق باقي الموجودين، ويشعرهم أولاً بالحسد، سرعان ما يزول تاركاً خلفه شعوراً بإعادة الثقة في المكان وإيجاد أعذار واهية لربح تأخّر. مهمة إضافية للمفتش غايتها المحافظة على إيرادات الخزينة، وتكمن في إحصاء عدد ماكينات اللعب ومقارنتها بالأرقام المصرّح بها، لأن كل ماكينة تخضع لرسم معين.
باقة القوانين وواجبات المفتشين تنبعث منها رائحة الطمأنينة. ولكن... إبتسم نحن في لبنان. القوانين وجدت لتُكسر، واللبناني حذق، بدلاً من أن يخضع للقوانين، يبعدها عنه بأسلوب أصبح معروفاً. فبعض هذه المحلات غير موجود على الخارطة (سهواً أو رشوةً)، لا يزوره بتاتاً أي مدقق، وبعضٌ آخر لا تشمله الزيارات لعدم وجود أعداد كافية من المفتشين. كذلك وخلافاً للقانون المنصوص، تستقبل هذه المحال الجميع حتى من يقل عمره عن 21 سنة، وهي السن القانونية للدخول.

رواد هذه المحال مختلفون يجمعهم الحلم بتغيير واقع يعتبرونه ظالماً. تختلط الأديان والمذاهب، تتداخل الأحزاب، تمتزج ألوانها في إنصهار وطني فريد. ينظر كل منهم الى الآخر وكأنه شريك في معركة، لا يهم العمر، الطبقة الإجتماعية، المولد أو حتى التبعية السياسية. كلهم حالمون، كلهم برسم الخسارة، قلة منهم ستربح اليوم. أما بالنسبة لمسؤول الصالة، فاللاعبون مجرد أرقام، يحتفظ بمساعدة كمبيوتر وبرنامج خاص، بسجلّ عن زيارات كل لاعب إضافة إلى المال المصروف والمال المكتسب، حتى الماكينات التي استخدمها اللاعب والوقت الذي سكبه من عمره.
تحتضن هذه الصالات أنواعاً مختلفة من الأشخاص: موظف هارب من مركز عمله لنصف ساعة، سائق سيارة أجرة، أهالي بعض الفنانين المعروفين، طلاب مدارس وجامعات، عاطلون عن العمل، أطباء، أصحاب مؤسسات صغيرة، مدمنون سابقون على الرهان في سباق الخيل. لكن هؤلاء جميعاً متساوون هنا، لا طبقية، لا طائفية، رجل أو إمرأة، لا فضل لمتعلم على أمّي. إنها مساواة عجزت القوانين الإنسانية عن تحقيقها. الحلم يجمع الكل. قد تجد شاباً في مقتبل العمر وعجوزاً "على حافة قبره" يجلسان جنباً الى جنب يتبادلان النظرات، الإبتسامات المشجعة، وحتى الدموع الخجولة.
داخل الصالة أنوار خفيفة باهتة، موسيقى أو أغان منخفضة، لا يهم نوعها أو بأي لغة، المهم أن تساهم بإضفاء جو من الهدوء. ماكينات ملتصقة بالجدران كأحجار الدومينو. المشروب مجاني: قهوة، شاي، مياه معدنية، عصير، مشروبات غازية. حتى الكحولية منها مسموحة في بعض المحال، إضافة إلى المأكولات الخفيفة التي تشكل حافزاً للبقاء فترة أطول.
الدخول الى هذه الصالات يسير، فالجميع مدعو. لكن الصعب هو الخروج، وقد يصبح مذلاً قي معظم الأحيان. معرفة ما علق من أخبار في زوايا الصالات مثير. تقف في منتصف الصالة، وتتخيل رائحة الأعمار المبددة تلفح وجهك كريح حزينة. تسمع الدعاء الممزوج بالشتائم يطلقها شخص وحيد في غابة إستسلمت لعويل ذئاب جائعة. صامتاً تشاهد انهيار البعض من دون أن تنبس بنبت شفة. تلاحقك صور وجوههم التاعسة كأحلامهم الصغيرة المتواضعة.
أن تكون موظف صالة في محل تسلية، ليس مسلياً أبداً. ليلك يصير سلسلة من كوابيس عبثية مضنية، كأنك أمل هؤلاء التعساء الوحيد، أو الصاحي الوحيد بين جمع من المخدرين المنوّمين.

في المحل سياسة تسمى بـ "بون الترحيب". نعطي اللاعب عشرة آلاف ليرة تضاف إلى المبلغ الذي يريد أن يلعب به. وهذه القيمة تمنح مرة واحدة فقط في النهار. هكذا معظم الزائرين يستهلّون رهانهم بعشرة آلاف يزيدون عليها عشرة أخرى، بذلك يلعب كل شخص بضعف المبلغ الذي بدأ به، فيشعر أنه ربح مسبقاً قبل أن يبدأ. ومن السياسات الإضافية أيضاً "بون الخسارة"، نعيد تعبئة الماكينة بمبلغ خمسة آلاف ليرة عند خسارة اللاعب خمسين ألفاً. معظمهم يباشرون بمبلغ العشرين ألفاً المضاعفة. تتغير سحنتهم بحسب الصراع الخفي الدائر بينهم وبين الآلة. يخسرون تارة، يربحون طوراً. الحد الأقصى لخسارتهم مرتبط باللعب بالمبلغ الذي في جيوبهم. فيبادلون عشرة آلاف بـ "فيش" اللعب. في النهاية يخسرون ويعاودون الكرة، نزيف حتى آخر قطرة لرهان حتى آخر ليرة.
في محال الألعاب، هناك عرفٌ يستطيع من خلاله موظف الصالة أن يعطي الخاسر مبلغ عشرة آلاف ليرة، بعد خسارته أمواله كلها، شرط أن يكون قد لعب وخسر ما يفوق مئة ألف ليرة. والعشرة آلاف التي تمنح للخاسر تسمى "الرجعة"، التي تكفيه ليستقلّ سيارة أجرة عائداً إلى بيته.
حكايات كثيرة تدور في هذه الصالات. وبعض هذه الحكايات كنت مشاركاً فيها بدور ثانوي.
مرة تقدم مني أحد اللاعبين طالباً مني أن اصرف له عشرين ألف ليرة أخرى، بعدما لعب وخسر العشرين ألف ليرة الأولى. لعب وخسر من جديد. ثم تكرر المشهد مرات ثلاث. خسر ما يقارب ستين ألف ليرة. اقترب من الآلة وضربها بيده، منتظراً أن تجاوبه. كانت أصابعه مشدودة على شكل قبضة جاهزة للكم الآلة لكمة أخرى أقسى من الأولى. لم أتحرك من مكاني قيد أنملة. وانشغلت في النظر في ورقة أمامي كنت أكتب عليها. سمعت وقع خطواته تدنو من مكتبي، لكنني لم أرفع عينيّ. توجه إلي بصوت خفيض، قائلاً " أرجوك يجب أن أعود إلى زوجتي وأولادي" ثم انتظر قليلاً منتظراً إشارة مني. ظللت صامتاً، وهو يعرف تماماً أنني لا أستطيع أن أعيد له ماله.

أثناء حرب تموز 2006، كان المحل أشبه بمغارة منسية كأن الحرب كانت تدور في سماء منطقتنا. رغم ذلك، كنت أفتح المحل صباحاً، لم يمض يوم من دون إستقبال بعض من كان يفتش عن تسلية.
من المواظبين رقم واحد شاب في الثلاثين من عمره. في ذلك اليوم قرر أن يلعب على ماكينة "هوفر". وصل ما جمعه إلى تسعة وأربعين ألفاً. الحد الأدنى لسحب المال من الماكينة يجب أن يتخطى الخمسين ألفاً. وقد وضعت هذه القاعدة حتى لا يسحب اللاعب "بون الترحيب". مجموع ما كان قد ربحه في خلال شهرين كان أكثر من تسع مئة ألف. طلب أن أسحب النقود من الماكينة. رفضت. أكمل اللعب، وخسر. كانت المرة الأولى التي يخسر فيها، والمرة الأولى التي يطلب فيها إعادة تعبئة الماكينة. أعاد الكرة. أنفق أكثر من أربع مئة وثمانون ألفاً في أربعين دقيقة. بات يتكلم "هندي"...
بعد أن انتهت نوبة الجنون، أمرني أن أحجز له الماكينة. رجع بعد ثلاث ساعات ليخسر ثلاث مئة ألف ليرة. ومع إحتراق كل عشرة آلاف كان لا يتوانى عن الشتم وضرب الماكينة. كدت أن أفقد أعصابي في كثير من الفترات، لكنني سكت على مضض. وحين بلعت غضبي، سمّرت عينيي على شاشة التلفزيون، أتابع المجازر الإسرائيلية. عندما دقّت الساعة الخامسة مساءً، انتهت نوبتي وسلّمت الصندوق إلى بديلي، وذهبت الى نادي الأثقال. هناك أروّح عن نفسي. بعد أقل من نصف ساعة على وصولي تلقيت اتصالاً وقبل أن أتفوه بكلمة سمعت صوتاً يكاد يثقب أذني: " إسمعني جيداً، ستشهد مجزرة اليوم إن لم تُعد لي كل أموالي وسأغرق المحل بالدم...". وبعد أن عرّف عن نفسه، فهمت أن بديلي جبان، أعطاه رقمي. لا أدري من أين أوتيت بهذه الشجاعة، صرخت فيه: "إنتظرني أنا قادم اليك، سأريك من أين سيسيل الدم". أقفلت الخط وشرعت بإرتداء ملابسي. رن الهاتف من جديد بعد دقيقتين. كان هو يتكلم بصوت متهدج: "روّق بالك، لم أقصد، أرجوك، صرفت الأموال المرسلة من أهلي في الخارج". أشفقت عليه، طلبت من بديلي أن يعطيه مئة الف. رحل بعدها شاكراً.
جئت صباحاً كالمعتاد في اليوم التالي. كان واقفاً أمام الباب بكل تهذيب. جاء حاملاً سبعة وعشرون الفاً، لعب على ماكينة "كريمة"، أصاب "رويال" مجموعة من خمسة أوراق تتألف من (أس، ختيار، دام، شاب، وعشرة) من الصنف واللون عينه. لكن بدلاً من أن يسحب أمواله وينصرف، أصرّ أن يلعب على الماكينة نفسها التي لعب عليها البارحة وخسر. عاد يطلب ثأراً من قطعة حديد، وخسر مجدداً. إنهار، سحب محفظته، أراني صور إبنه وابنته. أقسم إنه سيكون "إبن شر... إن عاود لعب القمار بعد اليوم". ورغم كل ذلك لم يحترم قسمه وعاد إلى اللعب.