كل الأخبار
الخميس 2 أيلول 2010 | 23:10 بيروت RSS Feed
مع الاحتيال والمؤاساة
فصل آخر من يوميات صيدلية..
شهادة صيدلاني ، الثلاثاء 23 كانون الأول 2008

 
باشرت العمل في الصيدلية الجديدة بعد أسبوع من مقابلتي أحد أصحابها. لم أكن أعرف بعد كيفية سير الأمور فيها. وقد تملكني الخوف للوهلة الأولى وأنا أنظر إلى كل تلك المساحات الكبيرة المغطاة بالأدوية. كانت الصيدلية أشبه بـ"السوبر ماركت"، كل ما يمكن أن يطلبه المرء يجده فيها، من الدواء وصولاً إلى الشوكولا والعلكة. وزاد الأمر تعقيداً عدد الموظفين الكبير. وهو أمر لم أعتده من قبل.

وجدت نفسي أمام أصناف جديدة من أدوية أراها للمرة الأولى، وعلى الرغم من أن الصيدلية التي عملتُ فيها كانت ذائعة الصيت، إلا أن كثيراً من أصناف الأدوية لم يكن مطلوباً، ربما لوقوعها في منطقة شعبية. وأما هنا فالوضع آخر، وفي قاموس العمل تعبير "لا يوجد" غير وارد، إلا إذا كان الدواء "مقطوعاً" من السوق كله. وحتى في هذه الحالة، غالباً ما كان مخزن الصيدلية الواسع، الممتد على طول ملجأ كبير تحتها، يزودها بالأصناف الناقصة كلها. ولم يخطر ببالي أن ما كنت أفعله في عملي السابق سيتكرر هنا. فكل شيء كان يبدو مثالياً: الزبائن كانوا يقفون بالصف في انتظار أن يأتي دورهم في صرف وصفاتهم، وتلبية ما يحتاجون إليه.
 


الدوام في الصيدلية يتقاسمه "صيدلانيان" أساسيان، الدكتور رائد (اسم مستعار)، من الساعة الثامنة صباحاً إلى الثامنة ليلاً، علمت فيما بعد بأنه ليس صيدلانياً ولكن سنين خبرته الطويلة خولته هذا المنصب، وفي الحقيقة كان ماهراً جداً وعلى دراية تامة بما يفعله. والدكتور جوزيف (اسم مستعار) من الثامنة ليلاً إلى الثامنة صباحاً. وكان دوامي مقسماً بين الإثنين. وأستطيع القول أن فريق العمل في هذه الصيدلية، كان من أفضل الموظفين الذين يعملون في هذا المجال، وعلى ما يبدو كان هذا أحد الأسباب التي دعت أصحاب الصيدلية إلى مخالفة القانون، لأن ثقة الزبائن بفريق عمل الصيدلية لن تهتز تحت أي ظرف.

وبعد مدة لاحظت زبائن يسألون خصيصاً عن أحد الدكتورين (رائد أو جوزيف). وبعد حديث مقتضب مع الزبون، كان الدكتور المناوب ينادي عاملاً من الجنسية السودانية ويتكلم معه، فيغادر الأخير الصيدلية لوقت قصير، ليعود ومعه علبة دواء يأخذها الزبون ويتوجه نحو الصندوق للدفع، فيطلب "الدكتور" ممن يجلس على الصندوق أن يسجل عملية البيع تحت عنوان "Preparation ".

واستمر الحال على هذا المنوال. يومياً يأتي عدد لا بأس به من الزبائن يتناولون طلبهم من العامل السوداني ويذهبون. وفي هذا الوقت كان رائد أو جوزيف، حين ينادي العامل يقول له "هويلو". وبدت الكلمة الغريبة التي لم أسمعها من قبل، أشبه بكلمة سر فيما بينهم فما إن تُلفظ ، حتى يتوجه السوداني إلى المكتب، ويأخذ مفتاحاً من هناك ويخرج.

بعد مرور نحو ستة أشهر، اكتسبت ثقة أصحاب الصيدلية أو المسؤولين عنها. و"هويلو" كانت كلمة سر حقيقية، تدل على أن الزبون يريد دواءً مهرباً ممنوعاً في لبنان، أو لم يدخل بعد في حسابات مستوردي الأدوية، كـ" cialis " . وهو دواء شبيه بالفياغرا، كنا نبيعه قبل أن يستورد قانونياً بوقت طويل، وغيره من الأدوية، وبعضها يباع في السوق بشكل قانوني، كـ"xanax ". ولاحقاً، علمت أن أحد أصحاب الصيدلية كان يسافر إلى فرنسا ليأتي بهذه الأدوية. ولم أعلم كيف يستطيع تهريبها من قبضة الأمن في المطار. والمهم أن الأدوية كانت تصل إلى الصيدلية في بيروت، وتتجرد من اسمها، وتسمى "هويلو".   والأدوية "الهويلو" لم تكن حكراً على الصيدلية التي أعمل بها. فمرة طُلب منا أحد الأصناف ولم يكن متوفراً، فأمرني رب العمل بالتوجه إلى صيدلية في شمال لبنان لآتي به من هناك. وحسبما علمت، فإن صيدليتنا، وتلك التي في الشمال، هما الوحيدتان اللتان تستوردان "الهويلو" إلى البلد.
 


وفي ختام هذه المرحلة، أصبحت "دكتوراً" بكل ما للكلمة من معنى. بعض الزبائن أصبحوا يسألون عني لمساعدتهم، والاتصالات التي كانت ترد إلى الصيدلية من أجل السؤال عن بعض العوارض المرضية، أو عن الأدوية كانت تُحوّل إلي. وهذا الأمر جعلني أشعر بالزهو، وفتح لي الباب، لأكون واحداً من المقربين من أصحاب الصيدلية، ومحل ثقة كاملة، حتى في أمور مالية تتعلق بالمصارف.

وتدريجاً، ومن غير انتباه، أصبحت ضالعاً في الأمور غير القانونية، ولم أعد أفكر بما أفعله، وبلغت  الأمور حداً صرت فيه أقوم بهذه الأعمال من دون أن يطلب أحد مني ذلك.
 
وكانت الأدوية تأتي بكميات كبيرة. وكنا نضع عشر علب على الرف والباقي في المستودع، فولد لنا هذا أزمة في بعض الأحيان، لا سيما حين يقترب تاريخ انتهاء صلاحية بعض الأدوية. وهنا كنا نُؤمر مباشرة بوضع هذه الأدوية على الرف بقربنا لنبيعها قبيل انتهاء صلاحيتها، بعد شهر أو شهرين لأن الكميات كبيرة، سُخر من يقف وراء "الكونتوار" لبيع هذا الصنف، وإلا حُسم ثمن الأدوية منتهية الصلاحية من الراتب الشهري. ومعالجة هذا بالكذب. فيصبح الدواء الجرعة السحرية الشافية التي نراها في الرسوم المتحركة، أو على الأقل هذا ما كنا نوهم به الزبائن.

والمهمة أيسر عندما تكون الأدوية المنتهية مدتها عبارة عن نوع من المراهم أو "الكريم"، لأننا، في هذه الحالة، نفرغها في عبوات بلاستيكية، ونبيعها على أساس أنها أدوية مركبة داخل الصيدلية. وعندما سألت يوما الدكتور جوزيف عن التأثيرات الجانبية للمرهم المنتهية مدته، أجاب :"ما شي، الدواء يحافظ على فعاليته لمدة ثلاثة أشهر إضافية بعد أن تنتهي صلاحيته، وإن لم يحافظ على فعاليته فهو لا يفيد المريض ولا يضره، أي يصبح بلا أي قيمة".

ولا أعلم إذا كان كلامه صحيحاً، ولكني كنت في حاجة لتصديقه، كي أقوم بعملي من غير تأنيب ضمير. فمن خلال عملي في الصيدلية باتت أطول نوبة عذاب ضمير تدوم نحو خمس دقائق، قبل أن أنسى ماحدث كلياً.
 


إحدى أولى حالات عذاب ضمير انتابتني، بعدما بعت إحداهن دواء "cytotec "، ليساعدها على الإجهاض. وهو دواء مخصص أساساً لأمراض المعدة. ولكن واحدة من آثاره الجانبية هي الإجهاض. يومها قام جوزيف بمواساتي وقال:" ما الذي يمكن أن نفعله غير ذلك؟ هل نترك هذه الفتاة لمواجهة مصيرها الأسود مع أهلها إذا ما اكتشفوا الأمر؟". ثم أضاف:" بعدين، إذا ما بعناها إياه في غيرنا رح يبيعها ياه".

وهكذا صدقت جوزيف، بل إنني اقتنعت بكلامه. وأصبحت علاقتي بالصيدلية "حميمة"، فبت لا أتركها إلى ساعات الصباح الأولى. وحياتي كلها كانت بين الأدوية، أقرأ في الصيدلية وآكل فيها، وحتى في بعض الأوقات كنت أفرش سجادة الصلاة، وأنام عليها ليلاً بين الأدوية.

وكل ما يمكن أن يفعله شاب في حياته الطبيعية كنت أمارسه في الصيدلية. صرت أمازح  الزبائن ممن يتقبلون المزاح. والذين لا يتقبلونه كنت أسخر منهم، أو أجعلهم ينتظرون طويلاً قبل تلبية إحتياجاتهم. وكنت ألهو في الصيدلية. ومرة غفا أحد الزبائن على "الكونتوار" منتظراً أن أعطيه دواءه، بعدما نسيته وأنا ألعب بالكرة مع أحد الزملاء في الداخل. عندئذ، أتى صاحب الصيدلية، وأيقظه متسائلاً عما يريد، فأجابه بأنه مازال بانتظار الـ " lomotil " وهو دواء لعلاج الإسهال.

وأقمت على هذا العمل خمس سنوات، حتى أصابني الملل، وحملني على تركه، على الرغم من المال الوفير الذي أتى به. لم يكن السبب هو "صحوة" ضمير، كما أوهمت أصدقائي حين تركت. ولم يكن حاجة إلى التغيير كما قلت لأبي، وما تعلمته في الصيدلية من سطوة الكذب والقدرة على الإقناع ظل ملازماً لي حتى بات جزءاً من شخصيتي. والأسوأ أنني إلى الآن، لا أعرف كيف أتخلص من إرث الصيدلية هذه.
تعليقات ( 1 )
المشترك
nicole
الاربعاء 24 كانون الأول 2008
what you did is wrong freind because you knew about it later, but dont hold your consouce ,probebly we would do the same if we dont find a job. it is good your giving awerness to poeple, you could also give the name of pharmacie to ministry of health,maybe they will take action.
إسم المستخدم
كلمة المرور