قبل المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس "تكتل التغيير والإصلاح" ميشال عون في دمشق إثر "القلب المفتوح" مع الرئيس السوري بشار الأسد، كنت أعتقد أن "حزب السلاح" صاحب ثقافة فريدة في مبدئية الاعتذار، تفترض بالضحية أن يطلب المغفرة من الجلاد.
ولكن يبدو أن عون خضع أيضا، وفي مستشفى قصر الشعب السوري، لعملية "موضعية نظيفة" تشبه التي "أكرمنا" بها "حزب السلاح" في أيار الماضي، وخرج منها مقتنعا بأن على اللبنانيين الموجودين في بيروت أن يبدأوا بالاعتذار أولا من سوريا.
فعلا عون عبقري، صاحب أخلاق ومبادئ. من غيره يستطيع أن يطلب من اللبنانيين الاعتذار من جيش الأسد لأنهم أتعبوه على مدى 30 عاما "ضحى" خلالها في سبيل حكمهم الذي تميز بسيل من "الإنجازات" غير المسبوقة، ليس أقلها اغتيال ما لا يقل عن 20 شخصية قيادية لبنانية، اقترفت ذنبا مشتركا، وهو أنها أرادت قيام دولة لبنان السيد، الحر، المستقل، الديمقراطي.
وبالاستناد إلى ثقافة عون و"حزب السلاح" في مبدئية اعتذار الضحية من الجلاد، وجب على اللبنانيين أيضا أن يعتذروا من إسرائيل، لأنها قصفتهم، كما فعل عون في ثمانينات القرن الماضي، وهاجمت منازلهم كما فعل عون بقذائفه و"حزب السلاح" بمقاتلية المقنعين. فالمبدأ نفسه، الاعتذار ممن يضطهدك، لأنك أتعبته.
تمامًا كما قصة ذلك الحمل الذي أراد الذئب افتراسه، وكان الذئب "أديبا"، فأراد إيجاد سبب "أخلاقي" يبرر افتراسه، فاتهمه بتعكير مياه شربه، ولما اثبت الحمل بطلان الاتهام، ربط له الذئب ذنبه بأن والده أو جده ربما كانا قد عكرا مياه الذئب... النقية.
وبالاستناد إلى مبدأ اعتذار الضحية من الجلاد، وجب على الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وبلجيكا، والهند والكويت أن تعتذر من "اللبنانيين" الذين خطفوا رعاياها في ثمانينات القرن الماضي.
وأيضا بالاستناد إلى المبدأ نفسه، على الهند أن تعتذر من الإرهابيين الذين أرهقتهم بإضطرارهم لتنفيذ الهجمات على الأبرياء في مومباي مؤخرا.
وعلى سوريا أيضا أن تعتذر من الإرهابيين الذين نفذوا العملية الأخيرة جنوبي دمشق.
وعلى الشعب العراقي أن يعتذر من "علي الكيمياوي" بدل الحكم عليه بالإعدام لأنه كان جلادا "جيدا".
بل، واستنادا لثقافة اعتذار الضحية من الجلاد، على الجيش اللبناني أن يعتذر من عصابة شاكر العبسي ومن ملحقاتها، ومن ذلك العوض المتخندق في مخيم عين الحلوة.
ربما على الشهداء (مع حفظ الألقاب والرتب والاحترام) كمال جنبلاط، وبشير الجميل وحسن خالد وصبحي الصالح ورينه معوض ورفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم ووسام عيد وفرانسوا الحاج ... وغيرهم كثر الاعتذار ممن قتلهم ... أيضا.
ربما على المحكمة الدولية أيضا أن تعتذر بالنيابة عن الضحايا الذين كلفت النظر في جرائم قتلهم.
ربما، أيضا، على الزميل عمر حرقوص أن يعتذر من الزوبعيين الذي اعتدوا عليه. وعلى النقيب الشهيد سامر حنا أن يعتذر من "حزب السلاح" عن تحليقه في سماء لبنان.
هذه ثقافة اعتذار الضحايا التي يعمل عون وحليفه "حزب السلاح" على تعميمها ليس على اللبنانيين فقط، بل على المنطقة والعالم أيضًا، بعدما يهزم الجنرال المهزوم وحليفه "المنتصر" ... العالم، بدءًا بأميركا التي توقع لها الجنرال ... من دمشق ... أن تهزم.
إعتذروا ... قبل أن يهزم الجنرال أميركا والسعودية ومصر والأردن وكل الدول العربية، باستثناء قطر طبعا ...، كما "هزم" جيش الأسد في 13 تشرين الأول العام 1990، ربما لأن "سوريا لا تدفع" كما قال من دمشق.
إعتذروا... كي لا يفوتكم "شرف الاعتذار العوني ... النظيف".