كانت الكاميرا التابعة لمصرف "إتش إس بي سي" HSBC أهم الشهود في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فهذه الكاميرا هي مصدر المشاهد التي عرضتها شاشات التلفزيون لشاحنة صغيرة بيضاء اعتبرت لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أنّها مصدر الانفجار الذي دمّر موكبه. وهذه الكاميرا هي التي أتاحت تالياً الامساك بأهم الخيوط العملية للجريمة التي هزت لبنان، والتي أحيا اللبنانيون ذكراها بحشد مليوني في ساحة الحرية، الخميس 14 شباط الجاري.
وكما الكاميرا القريبة من السان جورج، كذلك كانت كاميرا احدى المدارس القريبة من موقع الانفجار الذي استهدف الوزير مروان حمادة في الاوّل من تشرين الاوّل من العام 2004. فبعد مدة من محاولة اغتيال حمادة، تبيّن في التحقيقات وجود شريط فيديو تابع لمدرسة قريبة من موقع الانفجار تظهر فيه سيّارة مشبوهة مرّت بجانب سيّارة حماده ومرتبطة بالاغتيال. ومع أنّ الشريط اختفى يومها، إلا أنّه كان أوّل إشارة الى أهمّيّة كاميرات المراقبة في عمليّات التحقيق والكشف عن المجرمين.
وثمة من يرى أن نشر كاميرات المراقبة في الشوارع، وتعميم هذه التجربة، هو من مستلزمات المواجهة الأمنية التي يعيشها لبنان منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي من المتوقع أن تستعر في المرحلة المقبلة، مع بلوغ المحكمة الدولية مراحلها الأخيرة.
وما يعزز هذا التوجه هو النجاح المُبهر الذي حقّقته شبكة الكاميرات المنشورة في مختلف أنحاء بريطانيا وفي مطارات الولايات المتّحدة والتي حازت اهتمام دول أوروبيّة عدة. فقد تمّ التعرّف على منفّذي هجمات الانفاق في لندن بعد خمسة أيّام من وقوعها بفضل شبكة الكاميرات هذه وقاعدة المعلومات التي تملكها الاستخبارات هناك. ففي بريطانيا تشير التقارير إلى أنّه تمّ نشر عدّة ملايين من كاميرات المراقبة (بين 4 و7 ملايين كاميرا)، 300 إلى 500 ألف منها في العاصمة لندن وحدها. وبحسب هذه التقارير فإنّه بفضل نظام المراقبة هذا إنخفضت معدلات الاعتداءات والسرقة بمعدل 75%. أمّا كلفة هذه التقنيّة فتتراوح ما بين 225 و450 مليون دولار سنويا.
وموضوع نشر شبكة كاميرات "أمنيّة" تساعد على ضبط الوضع الامني عبر التعرّف على المجرمين والوسائل المستخدمة في الجرائم، طرح رسمياً في لبنان، بالفعل، وتولى طرحه وزير الشباب والرياضة الدكتور أحمد فتفت، عندما أسندت اليه حقيبة الداخليّة بالوكالة.
لكن هذا الطرح قوبل بمعارضة من بعض القوى وخصوصاً من حزب الله. وأوضحت مصادر قريبة من الحزب أنّ "الاعتراض على نشر هذه الكاميرات كان مقصوراً على استعمال بعض الانواع منها، العاملة بواسطة الاقمار الاصطناعيّة، وفي المقابل جاءت الموافقة على استعمال تلك العاملة بواسطة الكابلات". وأضاف "عندما تكون هذه الكاميرات موصولة بالهوائيّات فباستطاعة الاعداء الدخول عليها والتجسّس بواسطتها، فالاتّفاق كان على أن تكون مضبوطة وتعمل بواسطة الكابلات وأن تقتصر الاستفادة منها على الاجهزة اللبنانيّة وليس الخارجيّة ولا سيّما العدوّة بما يؤثّر على الامن القومي اللبناني". وأشار الى أن "هذا الموضوع أُقرّ في مجلس الوزراء بعد وضع وزراء المعارضة ملاحظاتهم التي تضمن الامن القومي ضمن هذه المعايير"، مؤكداً أن "لا وجود لأيّ مشكلة أخرى على هذا الصعيد".


ولاحظ فتفت أنّ "المسألة مرّت بمراحل عدّة وتعرّضّت لمعارضة قويّة جدا كون النظام الارخص والاكثر فاعليّة هو ما يمكن أن يُربط قسم منه مباشرة عبر الكابلات وقسم آخر بواسطة الاقمار الاصطناعيّة، فاعتُبر ذلك عملا تجسّسيا وأطلقت عبرَه تهم خطيرة بحقنا فسُحب عندها من التداول".
وأضاف "وضعت بعدها وزارة الاصلاح الاداري دراسة أوّليّة ثانية بشأن نشر عدد من الكاميرات ضمن بيروت الكبرى في المرحلة الاولى. وقد بيّنت هذه الدراسة أنّ الكلفة هي بين 25 و30 مليون دولار حاول الرئيس السنيورة تدبيرها. وتمّت إحالة الملف على وزارة الداخليّة التي وجدت أنّ النظام من الناحية الامنيّة غير كاف وبحاجة الى توسيع حتى يصبح فاعلاً. هذا الامر رفع كلفة النظام إلى ما يزيد عن السبعين مليون دولار، فأصبحت المشكلة الاساسيّة متعلّقة بالتمويل والرئيس السنيورة يتابع هذا الامر مع الامارات العربيّة المتّحدة ووزارة الداخليّة".
وشدّد الوزير فتفت على أنّ "فاعليّة هذا النظام الامني الرقمي مرتبطة بعدد الكاميرات الموضوعة وضرورة تأمين أوسع انتشار لها كما هي الحال في مدينة لندن". وأضاف "يُقال أنّ فيها عشرات الألوف من الكاميرات الموصولة بأجهزة رقابة كبيرة جدا ترصد الاشخاص والاليات بشكل دقيق ومتكرّر". وتابع فتفت "من ناحيتنا لسنا بحجم لندن لجهتي المساحة وعدد السكان والاليات، ولكن لدينا وضعاً مختلفاً، فالشخص الذي يرتكب جريمة هنا يمكنه بعد ساعة مثلا مغادرة البلاد، كما أنّ نظامنا الامني فيه ثغرة أخرى وهي انعدام التنسيق بين مختلف الاجهزة المعنيّة، وقد لاقت محاولة إغلاق هذه الثغرة إشكاليّات عدّة ومعارضة عنيفة لا سيّما على صعيد الامن العام".
وأشار الدكتور فتفت إلى أنّه كان قد وضع "خطة أمنيّة شاملة تتمحور على تقوية الاجهزة الامنيّة بدءاً بالامن الداخلي وشعبة المعلومات بمختلف الوسائل من العناصر والتجهيزات والتدريبات والتقنيات العلميّة، ومن بعدها عبر نشر نظام كاميرات المراقبة، بالاضافة إلى التنسيق بين مختلف الاجهزة الامنيّة الذي كان يرتكز ولا يزال على العلاقات الشخصيّة. فمثلا التنسيق بين الجيش وقوى الامن الداخلي كان جيّدا ولكن ليس بشكل منظّم علميا عبر تبادل المعلومات بواسطة مركز يجمع المعلومات ويدرسها ثمّ يوزّعها من دون أن يكون هناك تداخل بين صلاحيّات هذه الاجهزة أو ضياع ما، مما يوجب وجود مركز تنسيق بين الاجهزة، علما أنّ هناك جزءا من المعلومات مخصّصاً لاجهزة معيّنة كمركز جوازات السفر في الامن العام، لا يتضمّن معلومات يمكن توزيعها".
وعن البؤر الامنيّة والمشكلة التي يمكن أن تعترض نشر الكاميرات فيها، رأى فتفت أنّ "وضع كاميرات على تخوم هذه البؤر ممكن لمراقبة الممرات ولكن من غير الوارد وضعها داخل المخيّمات أو في المربّعات الامنيّة والاماكن الخاصة بالمقاومة". وأضاف "من أجل الجريمة العاديّة والجريمة السياسيّة الارهابيّة يمكن تركيز هذه الكاميرات في الشوارع حتى يكون بالامكان ملاحقة سيّارة ارتُكب بواسطتها عمليّة جرميّة ومعرفة مركز انطلاقها وأماكن تنقّلها بواسطة هذه التقنيّات العلميّة".


وفي رأي القيادي في "التيار الوطني الحر" اللواء عصام أبو جمرة أنّ "هذا النظام جيّد من الناحية الفنيّة، لا سيّما إذا تسلمه تقنيون بشكل محترف، ويتمّ العودة إليه بُعيد كلّ حادث. ولكن لكلّ شيء نظاماً مضاداً، فالوجه يمكن تغطيته ورقم السيّارة يمكن إخفاؤه أو وضع رقم مستعار مكانه، كما يمكن تجنّب البصمات بواسطة القفّازات. فهكذا نظام يفيد ضدّ المبتدئين والحواشي وليس المحترفين".
وأضاف "لقد اعترض البعض عن حق على أن يكون هذا النظام مرتبطا بالاقمار الاصطناعيّة، بشكل يجعلنا نحن من تتم مراقبته وليس من يراقب. أما التيّار الوطني الحر فليس لديه تحفّظ عن التكنولوجيا بذاتها، ولكن التحفّظات تتعلق بتطبيقها. فمن غير الممكن أن تُعمّم على كل لبنان ومن الواجب أن تنحصر في مواقع معيّنة، وذلك سيسبّب خلافات حول الاماكن التي يجب أن يتمّ وضع الكاميرات فيها. فإذا وضعناها في الرابية سيطالب آخرون بوضعها في المختارة أو في معراب. وإذا لم يكن المعني يريد هذه التقنيّة في منطقته عندها سيُعتبر أنّ ثمة استغلالاً من وراء هذه التقنيّة".
وتخوّف أبو جمرة من أنّ "التوجّه اليوم يبدو انه نحو وضع هذا النظام في منطقة سوليدير، والهدف من وراء ذلك هو رفع قيمة أسهم الشركة على حساب الدولة، وبذلك وباسم الامن يتمّ ترغيب الناس في هذه المنطقة الآمنة والمراقبة، علما أنّ هذه الكاميرات مرتفعة الثمن أصلا فترفع بدورها من قيمة المنطقة الموضوعة فيها. في المقابل، نتساءل حول ما إذا سيتم وضع هذه الكاميرات في منطقة جونيه وسن الفيل وغيرها من أماكن خارج بيروت الاداريّة حصلت فيها التفجيرات؟ فهناك لم نجد إلا الكاميرات الخاصّة. وهذا يعني أنّ من الافضل أن يبقى هذا النظام ضمن المشاريع الخاصة، بمعنى أن يضع كل فرد أو شركة كاميرا خاصة به".
ورأى أبو جمرة أنّ "لهذا النظام فائدة أكيدة ولكنّها على ما يبدو محصورة باتّجاه معيّن ولمصلحة فئة معيّنة. وعلى خلاف الوضع في أوروبا حيث يستفيد الجميع من العمل العام، بلدنا صغير، والفئات متعددة فيه من أحزاب ومسؤولين، وكلّ واحد يريد افادة نفسه وجماعته".
وعن اعتماد هذه التقنيّة ضمن خطة أمنيّة متكاملة، رأى أبو جمرة أنّ "لبنان لا يمكنه تحمّل كلفتها ونشر كاميرات على كامل أرضه، إلا إذا تسلمها القطاع الخاص. واليوم، التوجّه هو نحو خصخصة القطاعات العامة، فمن الافضل أن يتسلمها هذا القطاع منذ البدء، لا سيّما أنّ نظام الكاميرات هذا متطلّب جدا لجهة تنفيذه، ولكن ذلك لا يمنع أن تضع الدولة كاميرات على مؤسّساتها على غرار ما يقوم به الافراد".
ولفت أبو جمرة إلى "وضع انعدام الثقة السائد بين الموالاة والمعارضة، فالموالاة لا تأتمن المعارضة على مشاركتها السلطة، والمعارضة لا تأتمن الموالاة على مسألة وضع كاميرات على مواقع مسؤوليها ومراكزها، فيجب معالجة هذه المسألة أيضا حتى يصحّ تطبيق هذا النظام".


وأكد العميد المتقاعد وهبه قاطيشا أنّ "القوّات اللبنانيّة موافقة بشكل كامل ومن دون أيّ تردّد على وضع نظام كاميرات المراقبة موضع التطبيق"، لافتاً إلى أنّ "معظم دول العالم المعرّضة لهجمات إرهابيّة، تتوجّه نحو نظام الامن هذا". ولاحظ أن "التقارير تشير إلى أنّ السعر بالنسبة إلى النتيجة التي يمكن أن نحرزها من استعمال هذه الكاميرات جيّد جدا، والمثال على ذلك حالات القبض على الفاعلين في بريطانيا، فهذا نظام فاعل جدا وإلا لما طبّقته الدول المتقدمة بشكل متزايد، فتطبيق هذا النظام في بيروت الكبرى سيكون له مردود جيّد ومن المؤكّد أنّه سيردع الارهابيين إلى حد ما عن ارتكاب جرائمهم".
وبحسب قاطيشا فإنّ "نشر عدد قليل جدا من الكاميرات لن يكون كافياً بالطبع، فإذا لم تكن الشوارع مترابطة ببعضها كما الاحياء المختلفة، فلن يكون النظام فاعلا. وكما هو معروف فإنّ المعارضة هي التي رفضت هذا النظام، والحجّة كانت ربط هذه الكاميرات بالاقمار الاصطناعيّة وإمكان تجسّس الدول العدوّة علينا. ولكن ليس المطلوب على الاطلاق أن تُربط هذه المنظومة بالسواتل بل بشركة داخليّة، وهذا وفق ما تراه الحكومة اللبنانيّة مناسبا لهذه الجهة. ونحن لا نريد هكذا ربط وخصوصا أنّ بعض الفرقاء اللبنانيين يشعرون بالخطر من جرّائها، ولكن هذه الحجّة كانت لتغطية الرفض، أمّا سببه فغير معلن ولن يُعلن من قبلهم".
وبنظر قاطيشا، فإنّ "مشروعا كهذا بحاجة إلى توافق حتى يرى النور، وليس باستطاعة الحكومة أن تنفّذه قبل حصول توافق عليه من قبل مختلف الفرقاء ولا سيّما مجلس النوّاب. وحتى ذلك الحين سيبقى المسؤولون واللبنانيون مكشوفين على الاعمال الارهابيّة أمام من يريدون أن يعيثوا فسادا في البلد، وليس لدينا اليوم من حماية إلا عبر الاجهزة الامنيّة التي لا تزال مستمرّة من العهد السابق وإمكاناتها التقنيّة محدودة نظرا لمنع قيام الدولة من قبل فريق المعارضة."
ورأى قاطيشا أن نظام الكاميرات "يجب أن يغطي منطقة بيروت الكبرى على الاقل، ولكن إذا افترضنا أنّ في قوسايا قاعدة أو معملا للارهاب فهو غير مراقب، ولكن يصبح من الصعب جدا تمرير سيّارة مفخّخة من هكذا موقع بعيد إلى بيروت". وأضاف "عادةً، قضايا الاغتيال والارهاب تحصل في العاصمة والضواحي كون السيطرة على الاطراف بالنسبة للجيش أسهل من مناطق العاصمة وضواحيها حيث تتكاثر الشوارع والاحياء".
وهذا النظام، برأي الجنرال قاطيشا، "هو جزء تقني من نظام أمني متكامل، ولكنّه يشكّل امتدادا لنظام أمني عسكري، أي من عناصر في الاستخبارات، كمديريّة المخابرات في الجيش ومديريّة الامن العام وشعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي وغيرها، وهي أجهزة متكاملة. وهذا النظام يشكّل بالنسبة اليها إمتدادا تقنيّا تفيد منه كلّها. ويجب أن يكون هناك تنسيق بين مختلف هذه الاجهزة التي تستغل هذه المعلومات وتوافق عليها. وثمة جهاز خاص يدير هذا النظام ويوزّع المعلومات بحسب استفادة كل جهاز منها أوبحسب الجرم المرتكب أو أيّ عمل إرهابي من الممكن أن يُرتكب فيقوم بتصديره إلى الجهاز المختص".


واعتبر العميد المتقاعد الياس حنا أنّ "من الواجب أن يكون لدينا مشروع كامل متكامل بمعنى ألا يبقى اي أماكن غير مغطاة بهذه التقنيّة ما يشكّل ثغراً أمنيّة في هذا النظام، فيجب تغطية المدن وحتى الحدود، فبين النظام الامني الرقمي المقترح وبين التنفيذ والمراقبة، على المشروع أن يكون متكاملاً وإلا لن يكون لهذا النظام من فائدة تذكر، فيجب تركيب نظام شامل ضمن خطة أمنيّة متكاملة بغية التمكّن من ضبط الامن بشكل فاعل".
وبرأي العميد حنّا أنّ "ثمة مسائل عدة يطرحها تطبيق هذا النظام. فمن جهة أولى، كيف سيركّب النظام ومن سيشغّله ومن سيستغلّه وما هو دور الاجهزة الامنيّة والقطاع الخاص فيه؟ نحن بحاجة إلى طريقة الاستعمال Modus Operandi وإلى مهارات خاصة بأشخاص محدّدة وإلى نظام دعم إحتياطي back-up system وإلى غرفة عمليّات وجهاز أو فريق مراقبة كبير جدا. ففي لندن مثلا جرت مقارنة مرتكبي التفجيرات مع قاعدة المعلومات التي لديهم، ما مكّن من تحديد الفاعلين والقبض عليهم. فلا يكفي أن يطبّق هذا النظام في بيروت الكبرى فقط. فإذا وقعنا على صورة لمتّهم ما وللتعرّف عليه وخلفيّته علينا أن نملك قاعدة معلومات مسبقة وكبيرة جدا تسمح بذلك".
وشدد حنا أن "التكامل في هذا النظام سيظل ناقصا في ظل انتشار البؤر الامنيّة أي وجود الملاذ الآمن للمرتكبين في مخيّمات صيدا وبرج البراجنة والرشيديّة ومناطق أمنيّة لدى أحمد جبريل وحزب الله وفتح الاسلام حيث يمكن استغلال هكذا مناطق خلاف إرادة أصحابها حتى. فإذا وجدنا أنّ زيداً متّهم، علينا أن نتمكّن من جلبه إلى العدالة ومنعه من عبور الحدود. فالكاميرات المربوطة بأجهزة الامن العام والجمارك على الحدود اللبنانيّة لا تكفي بوجود مئات نقاط العبور غير الشرعيّة وغير المضبوطة. فمثلا، يُقال أنّ صوراً من اغتال اللواء فرنسوا الحاج والسيّارة التي اشتريت من شحيم تمّ التعرّف عليها، ولكن هل بالامكان توقيف المرتكبين. ولذا فإنّ هذا النظام الامني الرقمي يأتي كآليّة من ضمن الوفاق السياسي والمشروع الامني وليس بشكل منعزل عن غيره. فالمنطقة الخضراء في العراق لم تنجح إلا بعد أن أمسك الاميركيون بقية المناطق في الانبار والموصل والبصرة وغيرها".
ولاحظ أن "الواقع السياسي منقسم حول وضع هذا النظام موضع التنفيذ، فثمة من يقول أنّ الكاميرات الموصولة بالاقمار الاصطناعيّة تسمح للموساد والاستخبارات المركزيّة الاميركيّة والروسيّة وغيرها بالتجسّس علينا عبر وسائلنا. وحتى لو لم تربط بالاقمار الاصطناعيّة فنحن بحاجة الى واقع سياسي يسمح لهذا النظام بأن يرى النور. ففي ظل انقسام سياسي حاد، وعدم اعتراف متبادل بين اللبنانيين وفقدان الثقة، ستقلّ فاعليّة هذا النظام".
وشدد على ضرورة "وضع إطار قانوني عام لهذا النظام له علاقة بالحريّات العامة. فالتنصّت يتطلّب قانونا مذكّرة قضائيّة. ويجب ان يكون مضبوطا بمعنى أنّه موجّه نحو غاية معيّنة هي ضبط الجرائم. مما يعني عدم استغلال المعلومات المحصّلة أمنيّا وعلى علاقة بالحياة الخاصة لمن يتم التنصّت عليهم بهدف ابتزازهم. فهذه أشياء على علاقة بالقانون وبالحرّيات العامة وطريقة استغلالها أمنيّا، كما وشفافيّتها وسرّيّتها في الوقت ذاته. ويجب التنبّه إلى أنّ من تتمّ مواجهته على مرتبة الذكاء نفسه مع من يواجهه".
وقال "سيتبيّن لنا أنّ هذه التكنولوجيا تتبدّل كل سنة، وإذا تحقّقت اليوم فمن سيُموّل ومن سيُحسّن ومن سيُصلح ومن سيُتابع هذه التكنولوجيا؟ فهذه التقنيّة مكلفة جدا نظرا للمساحات الواجب تغطيتُها وكثرة الشوارع والمدن".
ورأى العميد حنّا أنّ "المراحل التي يمرّ بها وضع هذا النظام تبدأ بقرار سياسي تأتي بعده دراسة للبيئة الامنيّة تحدد بادئ ذي بدء المخاطر الامنيّة التي ستتمّ مواجهتها والعدو وتنوّعه، وتحدّد كذلك نظام Close Circle Television الواجب وضعه مع التنبّه إلى عدم ترك زوايا غير مُغطاة تُسمّى (زوايا سوداء)، كذلك يجب تحديد طريقة العمل ونظامه وتأمين لوجستيّته ووسائل التشغيل والاستغلال، من غرفة عمليات إلى دور الاجهزة وغيره. هذا مع العلم أنّ الكاميرات تتنوّع بين تلك المخصّصة للداخل والخارج، وتلك المصمّمة من دون ضوء والليليّة والمخبّأة والظاهرة وغيره".
فالامن برأي حنّا "هو أمن وقائي بالدرجة الاولى. ويأتي نظام الكاميرات كتنفيذ عملي على الارض من ضمن خطة أمنيّة كبيرة، فهو جزء وليس الاساس. الاساس هو المشروع الامني الخاص بالبلد أي الاستراتيجيّة الامنيّة القوميّة للبنان والتي يضعها مجلس الوزراء مجتمعا وهو ما يستحيل حصوله في ظل الانقسام السياسي القائم".

يشرح مدير شؤون الموظّفين في شركة الامن الخاصة P.S.S.A. (Patrick Security Services Agency) مارون أبي عبدالله أن الشركة تقوم بدراسة أمنيّة للموقع المطلوب تركيب كاميرات فيه. تتضمّن هذه الدراسة عدد الكاميرات المفروض تركيبها ونوعها سواء من حيث حجم ذاكرتها (تُقاس بحسب الفترة التي مرّت ويُراد تغطيتها) أو من حيث إمكانيّة التسجيل الليلي أو قدرتها على المسح (عندما تكون غير ثابتة وتدور على محور). وتتضمّن الدراسة أيضا الاماكن الواجب تركيب الكاميرات فيها بشكل يؤمّن التغطية الاقصى لمختلف زوايا الموقع. علما أنّ هذه التغطية تختلف بحسب المبالغ المرصودة لها.
وتتطلّب هذه التقنيّة في المواقع الكبيرة وجود غرفة مراقبة وفريق يعمل فيها لا سيّما عند استعمال كاميرات متحرّكة. أما في المواقع الصغيرة التي يتراوح عدد الكاميرات فيها بين 8 و12 كاميرا مركّزة على نقاط معيّنة كمداخل ومخارج المكان المراقب أو في مرأبه فلا حاجة إلى غرفة مراقبة وتستبدل عادة بمكتب خاص بالشركة مع عدد محدود من المراقبين. ويمكن حتى وصل منظومة كاميرات تابعة لعدّة مراكز إلى غرفة مراقبة واحدة عن بُعد عبر هوائي أو شبكة الانترنت، وتكون جودة الصورة بحسب سرعة الاتّصال والارسال.
ويعتبر عبدالله أنّ هذه التقنيّة فاعلة جدا لا سيّما في المراكز الكبيرة التي تستخدمها حيث يمكن ضبط السرقات وحالات العراك ومعرفة أسباب الحريق مثلا، كما يمكن معرفة لوحات تسجيل السيّارة المفخّخة عبر العودة إلى شريط التسجيل. وبحسب نوعيّة الكاميرات، يمكن معالجة الصور الملتقطة ومعرفة أدق التفاصيل كلّما علت جودتها.
ويشير عبدالله إلى أنّ "هذه الكاميرات الخاصة التي ركّبت من قبل شركات أمن خاصة قد ساعدت التحقيقات الجارية في عدد كبير من الجرائم المرتكبة. والمؤسّسات المالكة لهذه التسجيلات، تزوّد المراجع الامنيّة بها مباشرة وفور طلبها من دون تردّد".