جاءت إستقالة الرئيس السابق لحزب الكتائب كريم بقرادوني ونائبه الأول رشاد سلامة والنائب نادر سكر (قبل أن يحمل لقب نائب سابق) من حزب الكتائب اللبنانية في سياق طبيعي جداً بعد تنامي دور الشباب والتباين الكبير في الخيارات الوطنية، فقرر أستاذ كريم إعتزال العمل السياسي والتفرّغ للكتابة، فكتب مؤرّخاً لحقبة العماد إميل لحود الذهبية واضعاً الرجل في مرتبة عظماء الفكر وصانعي الإستراتيجيات في المنطقة بيد أن رئيس حزب الكتائب عجز عن مقاومة إغراء السياسة فساهم في تأسيس اللقاء الوطني المسيحي، كذراع سياسية للعماد ميشال عون ويضم الخارجين من الأحزاب المسيحية والطامحين لملء أي كرسي والموعودين بدور ما (غير دور البرد، وبعض الأدوار التلفزيونية الثانوية التي لا تقدم ولا تؤخر). مات اللقاء تدريجاً مع إعلان مرشحي كتلة التغيير والإصلاح. مات من دون ضجيج.
أما النائب الأول لرئيس حزب الكتائب في مرحلة الضمور وتنامي دور الأجهزة، فلم يسعفه خطابه في الوصول إلى الندوة البرلمانية بشفاعة الأستاذ نبيه، ولا إلى أي حكومة، ويوم استقال من الحزب ألمح إلى نيته تأسيس حزب جديد أو حركة سياسية، كما فعل جوزف مغيزل الذي ساهم بتأسيس حركة التقدم العام 1959 بعد عامين من تمرّده على السلطة الأحادية في الكتائب، لكن أستاذ رشاد البليغ العبارة الأنيق الكلمات وجد نفسه أيضاً في اللقاء الوطني المسيحي قرب أستاذ الخيارات الصعبة كريم بقرادوني.
وثالث أبرز الخارجين كان نادر سكر ووجوده في الكتائب أساساً، يتعارض وجدانياً مع ارتباطه الوثيق بنواب كتلة الوفاء للمقاومة في قضاء بعلبك ـ الهرمل ومنظومة الحزب السياسية وخياراته. إستقال من الحزب. ثم أبلِغ أن الحزب اختار بديلاً منه. فترك مقعده للمحامي الطموح إميل رحمة كي يحقق حلم حياته.
كثيرون خرجوا من الكتائب طوعاً أو أُخرجوا، منهم الأستاذ أنطوان نجم (أمين ناجي) والوزير السابق جوزف الهاشم الذي تربطه صداقة متينة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري والنائب الراحل لويس أبو شرف والنائب السابق إدمون رزق العام 1985 بسبب تصويتهما لمصلحة رئيس مجلس النواب السابق الرئيس كامل الأسعد على الرغم من قرار الكتائب التصويت للنائب المرشح حسين الحسيني إرضاءً لسورية، والمنسق الأعلى للعلاقات اللبنانية ـ السورية ميشال سماحة الذي خرج من رحم الكتائب ليشغل منصب مدير عام في تلفزيون لبنان، ولعب كذلك دوراً مشهوداً في الإتفاق الثلاثي، عمل نائباً ووزيراً وكان له موقع في حركة التجدد الديمقراطي، ولو "نقشت" مع سماحة في انتخابات العام 2000 لربما وجد نفسه في صلب حركة 14 آذار وإلى يسار اليسار الديمقراطي على الأرجح.
أمرٌ طبيعي أن يتطور السياسي فكرياً وأن يتدرّج في سلم التقدم والترقي وأن ينمي مداركه ويوسّع أفقه وأن يكون مرناً ومنفتحاً ومنسجماً مع نفسه وقناعاته وجلده، ولعل المحامي رشاد سلامة بعد تجربة سياسية طويلة إمتدت ما لا يقل عن نصف قرن، وجد اليوم أن عليه أن يزخّم نشاطه فانتسب إلى "التيار الوطني الحر" كما أعلن بنفسه من الرابية في الأول من شباط.
والآن إضبارة المحامي رشاد سلامة موضوعة على طاولة النائب زياد أسود للنظر في طلب الإنتساب، ومن المرجح أن يقبله في إقليم جزين بعد أن ينهي دورة تثقيف سياسي تحت إشراف الدكتور بسام الهاشم.